الغزالي

138

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

29 - باب : في ذكر السماوات والأجناس المختلفة روي : أوّل ما خلق اللّه جوهرة ، فنظر إليها بنظر الهيبة ، فذابت وارتعدت من خوف ربّها فصارت ماء ، ثم نظر إليها بنظر الرحمة ، فجمد نصفها ، فخلق منه العرش ، فارتعد العرش فكتب اللّه عليه : لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه ، فسكن العرش ، وترك الماء على حاله يرتعد إلى يوم القيامة . وذلك قوله تعالى : وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ « 1 » ثم تلاطم وتموّج ، وصعدت منه أدخنة ، وارتفع بعضها متراكما على بعض ، وكان له زبد ، فخلق اللّه تعالى منه السماوات والأرض طباقا فكانتا رتقا ، فخلق الريح فيها ، فتفتّق بين أطباق السماء وأطباق الأرض كما أخبر سبحانه وتعالى بقوله : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ « 2 » . قال أهل الحكمة : إنّما خلق اللّه تعالى السماء من دخان ، ولم يخلقها من بخار لأن الدخان خلق متماسك الأجزاء يستقرّ منتهاه ، والبخار متراجع ، وذلك من كمال علمه سبحانه وحكمته . ثم نظر تعالى إلى الماء بعين الرحمة فجمد كما جاء في الحديث . فائدة : بين سماء الدنيا والأرض ، وكذا بين كلّ سماء وسماء خمسمائة عام ، وغلظ كلّ سماء كذلك . وقيل : إن السماء الدنيا أشدّ بياضا من اللبن ، وإنّما اخضرّت من خضرة جبل قاف ، واسم تلك السماء رقيعة ، والثانية : من حديد تتلألأ نورا واسمها فيدوم ، أو ماعون ، والثالثة : من نحاس يقال لها : ملكوت ، أو هاريون ، والرابعة : من فضّة بيضاء يكاد نورها يخطف « 3 » الأبصار واسمها الزاهرة ، والخامسة : من ذهب أحمر يقال لها المزينة ، أو المسهرة ، والسادسة : من جوهرة تتلألأ نورا واسمها الخالصة ، والسابعة :

--> ( 1 ) سورة هود ، الآية : 7 . ( 2 ) سورة فصلت ، الآية : 11 . ( 3 ) يخطف الابصار : يذهب الأبصار .